الآمدي
75
الاحكام
الاعتراض الرابع منع حكم الأصل ولما كان منع حكم الأصل من قبيل النظر في تفصيل القياس ، كان متأخرا عما قبله ، لكون ما قبله نظرا في القياس من جهة الجملة ، لا من جهة التفصيل . والنظر في الجملة يتقدم على النظر في التفصيل . ومثاله ما لو قال الشافعي في إزالة النجاسة مثلا : مائع لا يرفع الحدث ، فلا يزيل حكم النجاسة ، كالدهن . فقال الحنفي : لا أسلم الحكم في الأصل ، فإن الدهن عندي مزيل لحكم النجاسة . وقد اختلف الفقهاء في انقطاع المستدل بتوجيه منع حكم الأصل عليه : فمنهم من قال بانقطاعه ، لأنه أنشأ الكلام للدلالة على حكم الفرع ، لا على حكم الأصل ، فإذا منع حكم الأصل ، فإما أن يشرع في الدلالة عليه ، أو لا يشرع : فإن لم يشرع في الدلالة عليه لم يتم دليله على مقصوده ، وهو انقطاع ، وإن شرع في الدلالة عليه ، فقد ترك ما كان بصدد الدلالة عليه أولا ، وعدل عما أنشأه من الدليل على حكم الفرع إلى الدلالة على حكم الأصل ، ولا معنى للانقطاع سوى هذا . ومنهم من قال : لا يكون منقطعا ، لأنه إنما أنشأ الدليل على حكم الفرع إنشاء من يحاول تمشيته وتقريره ، وبالدلالة على حكم الأصل يحصل هذا المقصود ، لا أنه تارك لما شرع فيه أولا ، ولا منع من ذلك ، فإن الحكم في الفرع ، كما يتوقف على وجود علة الأصل في الأصل ، وكونها علة فيه ، وعلى وجودها في الفرع ، يتوقف علي ثبوت حكم الأصل ، وكل ذلك من أركان القياس ، ولم يمنع أحد من محاولة تقرير القياس عند منع وجود علة الأصل ومنع كونها علة فيه ، ومنع وجودها في الفرع من الدلالة على محل المنع ، فكذلك حكم الأصل ، ضرورة التساوي بين الكل في افتقار صحة القياس إليه . ومنهم من فصل بين أن يكون المنع خفيا ، وبين أن يكون ظاهرا ، فحكم بانقطاعه عند ظهور المنع ، وبعدم انقطاعه عند خفائه ، لظهور عذره .